السيد نعمة الله الجزائري
15
الأنوار النعمانية
العقول كما احتجب عن الابصار ، وان الملأ الاعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم وما أثبت له من الصفات انما هو على قدر أوهامنا ، وما تصل إليه افهامنا ، فأنا نعتقد اتصافه سبحانه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة ، وهو تعالى ارفع واجل ، وفي كلام الصادق عليه السّلام ، إشارة إلى هذا المعنى ، حيث قال كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه ، مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ، ولعل النمل الصغار ، تتوهم ان للّه تعالى زبانيتين ، فإن ذلك كمالها ، وتتوهم ان عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به . قال الفاضل الدواني هذا كلام ، دقيق ، رشيق ، أنيق ، صدر من مصدر التحقيق ومورد التدقيق والسير في ذلك ان التكليف إنما يتوقف على معرفة اللّه تعالى بحسب الوسع والطاقة وإنما كلفوا ان يعرفوه بالصفات التي الفوها وشاهدوها فيهم ، مع سلب النقائص الناشئة ، عن انتسابها إليهم ، ولما كان الانسان واجبا بغيره ، عالما ، قادرا ، مريدا ، حيا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الايمان ، بأن يعتقد انه تعالى واجب لذاته ، لا بغيره عالم بجميع المعلومات ، قادر على جميع الممكنات وهكذا في سائر الصفات ولم يكلف باعتقاد صفة ، له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها بوجه ، ولو كلّف به لما أمكن تعقله في الحقيقة ، وهذا أحد معاني قوله عليه السّلام من عرف نفسه فقد عرف ربه انتهى . وحينئذ فمن وصفه بالولد ، فبزعمه انه كمال له تعالى عنه ، وكذا من وصفه بالجسمية إلى آخر ما عرفت ، فهذا أيضا هو السبب في الاختلاف . وقد أخطأ جماعة من الصوفية في اعتقادهم الوصول إلى كنه حقيقته ، وانه لا يحتاج الواصل منهم إلى العبادات لأنها وسائل ، قال العلامة الحلي قدس اللّه ضريحه في كتاب كشف الحق ونهج الصدق ، اني شاهدت جماعة من الصوفية في حضرة مولانا الحسين عليه السّلام وقد صلّوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالسا ولم يصل ، ثم صلوا بعد ساعة لعشاء سوى ذلك الشخص فسئلت بعضهم عن ترك صلاة ذلك الشخص فقال وما حاجة هذا إلى الصلاة ، وقد وصل أيجوز ان يجعل بينه وبين اللّه تعالى حاجبا فقلت لا فقال الصلاة حاجب بين العبد والرب انتهى . أقول أمثال هذا قد شاهدنا منهم كثيرا وسننقل أحوالهم انشاء اللّه تعالى وأسباب الاختلاف كثيرة لا نطول الكتاب بذكرها . نور الهي يتضمن برهانا مختصرا في اثبات الواجب وسائر صفاته ، يتفرع عليه من التفريعات ما لا يحصى ، اعلم أن هذا الصانع المحكم صنعه ، على هذا النظام الذي ترى يجب ان يكون في غاية